عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

405

اللباب في علوم الكتاب

وقيل : المراد بالجنّة : الجنّ ، كقوله مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [ الناس : 6 ] ولا بدّ حينئذ من حذف مضاف . أي : مسّ جنة ، أو تخبيط جنّة . والثاني : أنّ « ما » نافية ، أي : ليس بصاحبهم جنون ، ولا مسّ جنّ . وفي هاتين الجملتين أعني الاستفهامية أو المنفية ، فيهما وجهان : أظهرهما : أنّهما في محلّ نصب بعد إسقاط الخافض ؛ لأنّهما علّقا « التّفكّر » ؛ لأنّه من أفعال القلوب . والثاني : أنّ الكلام تمّ عند قوله : « أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا » ، ثمّ ابتدأ كلاما آخر ، إمّا استفهام إنكار ، وإمّا نفيا . وقال الحوفيّ إنّ « ما بِصاحِبِهِمْ » معلقة لفعل محذوف ، دلّ عليه الكلام ، والتقدير : أو لم يتفكروا فيعلموا ما بصاحبهم . قال : و « تفكّر » لا يعلّق ؛ لأنّه لم يدخل على جملة . وهذا ضعيف ؛ لأنّهم نصّوا على أن فعل القلب المتعدّي بحرف جرّ أو إلى واحد إذا علّق هل يبقى على حاله أو يضمّن ما يتعدّى لاثنين ؟ الثالث : أن تكون « ما » موصولة بمعنى « الذي » ، تقديره : أو لم يتفكّروا في الذي بصاحبهم وعلى هذا يكون الكلام خرج على زعمهم ، وعلى قولنا : إنّها نافية يكون « من جنّة » مبتدأ ، ومن مزيدة فيه ، وبصاحبهم خبره ، أي : ما جنّة بصاحبهم . فصل [ في معنى قوله : « أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » ] دخول « من » في قوله من جنّة يوجب أن لا يكون به نوع من أنواع الجنون . قال الحسن وقتادة : إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قام ليلة على الصّفا يدعو قريشا فخذا فخذا ، يا بني فلان ، يا بني فلان ، يحذرهم بأس اللّه وعقابه . فقال قائلهم : إنّ صاحبكم هذا المجنون ، بات يصوّت إلى الصّباح ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية « 1 » . وقيل : إنّه عليه الصّلاة والسّلام كان يغشاه حالة عجيبة عند نزول الوحي فيتغيّر وجهه ويصفر لونه ، وتعرض له حالة شبيهة بالغشي ، والجهال كانوا يقولون : إنّه جنون ، فبيّن اللّه تعالى في هذه الآية أنّه ليس بمجنون إنّما هو نذير مبين من ربّ العالمين . قوله : أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الآية .

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 134 - 135 ) عن قتادة مرسلا . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 273 ) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ .